بقلم جوسلين خير الله — المؤسِّسة والمديرة العامة، KH Legal (خير الله للمحاماة والاستشارات القانونية).

نحو حماية تشريعية متدرجة تتناسب مع مدة استقرار النشاط الاقتصادي

لا يكتمل مفهوم حماية الاستثمار عند تسهيل تأسيس الشركات أو إصدار الرخص التجارية فحسب، بل يتطلب منظومة تشريعية تضمن للمستثمر القدرة على بناء مشروعه واستمراره في بيئة اقتصادية مستقرة، يستطيع من خلالها التخطيط لمستقبله دون الخوف من فقدان المقر الذي ارتبط به نشاطه التجاري لسنوات طويلة.

لقد نظم القانون رقم (26) لسنة 2007 بشأن تنظيم العلاقة بين مؤجري ومستأجري العقارات في إمارة دبي، وتعديلاته بموجب القانون رقم (33) لسنة 2008، حالات إخلاء العقار، حيث أجازت المادة (25)، في فقرتها الثانية، للمؤجر طلب الإخلاء عند انتهاء مدة عقد الإيجار في حالات محددة، من بينها رغبته في استرداد العقار لاستعماله الشخصي أو لاستعمال أحد أقاربه من الدرجة الأولى، وفق الشروط القانونية، شريطة إخطار المستأجر قبل موعد الإخلاء بمدة لا تقل عن اثني عشر شهراً.

غير أن هذا التنظيم يثير تساؤلاً تشريعياً واقتصادياً مهماً:

هل من العدالة أن يخضع المستأجر التجاري والمستأجر السكني للمدة ذاتها من الإخطار بالإخلاء، رغم الاختلاف الجوهري بين طبيعة الانتفاع بالعقار في الحالتين؟

عندما يؤسس المستثمر شركة أو مكتباً مهنياً أو محلاً تجارياً، فإنه لا يستأجر مجرد مساحة عقارية، بل يبدأ ببناء مشروع اقتصادي يرتبط تدريجياً بالمكان الذي اختاره.

فهو يستثمر في تجهيز المقر، وتصميمه، وبناء هويته التجارية، والتعريف بعنوانه، واستقطاب العملاء، وتأسيس علاقات مهنية وتجارية قد تستمر لعشرات السنوات.

ومع مرور الوقت، يصبح عنوان المشروع جزءاً من هويته التجارية وقيمته الاقتصادية، وقد يتحول إلى عنصر مؤثر في ثقة العملاء واستمرارية التعامل معه.

فكيف يمكن أن نساوي بين مستأجر سكني يستطيع الانتقال إلى منزل آخر، ومستثمر أمضى عشر سنوات أو أكثر في تأسيس نشاطه التجاري في مقر محدد، ثم نمنحهما المدة القانونية ذاتها للإخلاء؟

إن انتقال النشاط التجاري لا يعني مجرد نقل الأثاث والمعدات، بل قد يترتب عليه فقدان بعض العملاء، واضطراب الأعمال، وتكاليف إعادة التأسيس، والتأثير في السمعة التجارية التي ارتبطت بالموقع.

ومن هنا، أرى أن المشرّع الإماراتي مدعو إلى اتخاذ خطوة تشريعية إيجابية تميز بين عقود الإيجار السكنية والتجارية، وتمنح المستأجر التجاري حماية تتناسب مع مدة استقراره في العقار ومدى التزامه بالتزاماته التعاقدية.

نظام قانوني متدرج

وأقترح اعتماد نظام قانوني متدرج يقوم على مبدأ التناسب بين مدة الإشغال التجاري ومدة الإخطار بالإخلاء.

فعلى سبيل المثال:

  • إذا استمر النشاط التجاري في العقار لمدة خمس سنوات، وكان المستأجر ملتزماً بالتزاماته، فلا يجوز إخلاؤه لأسباب تتعلق بالاستعمال الشخصي للمؤجر إلا بعد إخطاره بمدة لا تقل عن ثلاث سنوات.
  • أما إذا استمر النشاط التجاري في العقار لمدة عشر سنوات أو أكثر، فينبغي أن تمتد مدة الإخطار إلى خمس سنوات على الأقل.

ويمكن للمشرّع وضع درجات إضافية للحماية تتناسب مع مدة الإشغال، بحيث لا تتساوى المراكز القانونية لمستثمر حديث التأسيس مع مستثمر استقر في مقره لسنوات طويلة.

ولا يعني هذا الاقتراح حرمان المؤجر من حقه في ملكيته أو الانتفاع بعقاره، وإنما تحقيق توازن أكثر عدالة بين حق الملكية الخاصة وحق المستثمر في استقرار نشاطه الاقتصادي.

كما أن هذا التنظيم لا يمنع الطرفين من الاتفاق بالتراضي على إنهاء العلاقة الإيجارية قبل انتهاء مدة الحماية، مقابل تعويض عادل يراعي الأضرار الاقتصادية الفعلية التي قد يتكبدها المستأجر، بما فيها تكاليف الانتقال وإعادة التأسيس وفقدان القيمة التجارية المرتبطة بالموقع متى ثبتت.

إن منح المستأجر التجاري حماية زمنية أطول سيشجع المؤجر والمستأجر على التفاوض والتوصل إلى حلول متوازنة، بدلاً من أن يبقى المستثمر معرضاً لفقدان مقره التجاري بمجرد انقضاء مهلة الإخطار القانونية.

البعد الاقتصادي

ومن الناحية الاقتصادية، فإن استقرار الأعمال يرتبط ارتباطاً مباشراً بوجود قوانين تتيح للمستثمر تأسيس نشاطه وتطويره في بيئة مستقرة وقابلة للتنبؤ.

صحيح أن أنماط العمل قد تغيرت، وأن العمل عن بُعد أصبح جزءاً من الواقع الاقتصادي الحديث، إلا أن المقر التجاري لا يزال يحتفظ بأهمية جوهرية في حياة الشركات والمؤسسات المهنية والتجارية.

بل إن الأنظمة التنظيمية والترخيصية في دولة الإمارات، بما فيها عدد من المناطق الحرة، تربط ممارسة بعض الأنشطة بوجود مقر فعلي يتناسب مع طبيعة العمل، وتترتب عليه متطلبات تتعلق بالسجلات والموظفين والتأشيرات والالتزامات الرقابية، وفقاً للضوابط المعمول بها لدى كل جهة.

فإذا كان المقر التجاري يمثل عنصراً أساسياً في تنظيم النشاط الاقتصادي والرقابة عليه، فمن المنطقي أن يقابله تنظيم تشريعي يمنح المستثمر قدراً مناسباً من الاستقرار في هذا المقر.

إن دولة الإمارات نجحت في بناء بيئة استثمارية عالمية تستقطب الشركات ورواد الأعمال والمستثمرين من مختلف أنحاء العالم، وأصبحت استدامة الأعمال وتعزيز الثقة الاستثمارية من أهم عناصر قوتها الاقتصادية.

ومن هذا المنطلق، فإن تطوير أحكام الإيجارات التجارية لا ينبغي النظر إليه باعتباره مجرد تعديل في العلاقة بين المؤجر والمستأجر، بل باعتباره جزءاً من تطوير البيئة التشريعية الداعمة للاستثمار طويل الأجل.

فاستقرار الأعمال لا يتحقق بمجرد السماح للمستثمر بتأسيس شركته، وإنما يتطلب أيضاً حمايته من الاضطرابات التي قد تهدد استمرارية مشروعه بعد سنوات من الاستثمار والالتزام.

وإذا كنا نسعى إلى تعزيز ثقة المستثمرين واستدامة الأنشطة الاقتصادية، فعلينا أن ندرك أن استقرار المقر التجاري ليس مسألة عقارية فحسب، بل هو مسألة اقتصادية وتشريعية ترتبط بمستقبل الاستثمار في الدولة.

إن حماية حق الملكية أمر أساسي، ولكن حماية الاستثمار الذي ينشأ داخل هذه الملكية لا تقل أهمية من منظور المصلحة الاقتصادية العامة.

فالاستثمار يحتاج إلى رأس المال ليبدأ، لكنه يحتاج إلى الاستقرار ليستمر وينمو.

ولهذا أرى أن الوقت قد حان لإعادة النظر في أحكام الإخلاء المتعلقة بالعقارات التجارية، وإقرار حماية قانونية متدرجة تراعي مدة استقرار النشاط التجاري والتزام المستأجر، وتحقق التوازن بين حقوق الملاك ومتطلبات التنمية الاقتصادية المستدامة.

يعبّر هذا المقال عن رأي الكاتبة ومقترح لتطوير التشريع، ولا يغيّر الأحكام النافذة حالياً. للاستشارة بشأن عقد إيجار محدد: info@khlegal.ae · ‎+971 4 427 0845